المسعودي

51

مروج الذهب ومعادن الجوهر

وقد ذكر ابن أبي الدنيا ، عن عبد الملك بن سليمان بن أبي جعفر ، قال : رأيت في نومي المتوكل والفتح بن خاقان ، وقد أحاطت بهما نار ، وقد جاء محمد المنتصر فاستأذن عليهما ، فمنع الوصول ، ثم أقبل المتوكل عليَّ فقال : يا عبد الملك قل لمحمد : بالكأس الذي سقيتنا تشرب ، قال : فلما أصبحت غدوت على المنتصر فوجدته محموماً ، فواظبت على عيادته ، فسمعته في آخر علته يقول : عَجَّلْنا فعوجلنا ( 1 ) فمات من ذلك المرض . من صفات المنتصر : وكان المتصر واسع الاحتمال ، راسخ العقل ، كثير المعروف ، راغباً في الخير سخياً ، أديباً ، عفيفاً ، وكان يأخذ نفسه بمكارم الأخلاق ، وكثرة الإنصاف ، وحسن المعاشرة ، بما لم يسبقه ( 2 ) خليفة إلى مثله . وكان وزيره أحمد بن الخصيب قليل الخير ، كثير الشر ، شديد الجهل . صنيع المنتصر بآل أبي طالب : وكان آل أبي طالب قبل خلافته في محنة عظيمة ، وخوف على دمائهم ، قد مُنعوا زيارة قبر الحسين والغريّ من أرض الكوفة ، وكذلك منع غيرهم من شيعتهم حضور هذه المشاهد ، وكان الأمر بذلك من المتوكل سنة ست وثلاثين ومائتين وفيها أمر المعروف بالذيريج بالسير إلى قبر الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما وهَدْمِه ومَحْوِ أرضه وإزالة أثره ، وأن يعاقب من وجد به ، فبذل الرغائب لمن تقدم على هذا القبر ، فكل خشي العقوبة ، وأحْجَمَ ، فتناول الذيريج مِسْحاة وهدم أعالي قبر الحسين ، فحينئذ أقدم الفعلة فيه ، وأنهم انتهوا إلى الحفرة وموضع اللحد فلم يروا فيه أثر رمة ولا غيرها ، ولم تزل الأمور على ما ذكرنا إلى أن استخلف المنتصر ، فأمن الناس ، وتقدم بالكف عن آل أبي طالب ، وترك البحث عن أخبارهم ، وأن لا يمنع أحد زيارة الحيرة لقبر الحسين رضي الله تعالى عنه ، ولا قبر غيره من آل أبي طالب ، وأمر برد فدَكَ إلى ولد

--> ( 1 ) في نسخة : عجلت فعوجلت . ( 2 ) في نسخة : بما لا يسبقه .